المقريزي

929

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فرعون وأهل مصر - كما قال اللّه تعالى : . . . يسومونهم سوء العذاب ويستعبدونهم « 1 » . فلمّا مضى من سنة الثمانين لموسى شهر وأسبوع ، كلّمه اللّه جلّ اسمه - وكان ذلك في اليوم الخامس عشر من شهر نيسان - وأمره أن يذهب إلى فرعون ، وشدّ عضده بأخيه هارون ، وأيّده بآيات : منها قلب العصا حيّة ، وبياض يده من غير سوء ، وغير ذلك من الآيات العشر التي أحلّها اللّه بفرعون وقومه ، وكان مجيء الوحي من اللّه تعالى إليه وهو ابن ثمانين سنة . ثم قدم مصر في شهر أيار ، ولقي أخاه هارون ، فسرّ به ، وأطعمه جلبانا فيه ثريد ، وتنبّأ هارون وهو ابن ثلاث وثمانين سنة ، وغدا به إلى فرعون ، وقد أوحي إليهما أن يأتيا إلى فرعون ليبعث معهما بني إسرائيل ، فيستنقذانهم من هلكة القبط وجور الفراعنة ، ويخرجون إلى الأرض المقدّسة التي وعدهم اللّه بملكها على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فأبلغا ذلك بني إسرائيل عن اللّه ، فآمنوا بموسى واتّبعوه . ثم حضرا إلى فرعون ، فأقاما ببابه أيّاما - وعلى كلّ منهما جبّة صوف ، ومع موسى عصاه - وهما لا يصلان إلى فرعون لشدّة حجّابه . حتى دخل عليه مضحك كان يلهو به ، فعرّفه أنّ بالباب رجلين يطلبان الإذن عليك ، يزعمان أنّ إلههما قد أرسلهما إليك ، فأمر بإدخالهما . فلمّا دخلا عليه خاطبه موسى بما قصّه اللّه في كتابه ، وأراه آية العصا وآيته في بياض اليد « 2 » . فغاظ فرعون ما قاله موسى ، وهمّ بقتله ، فمنعه اللّه سبحانه بأن رأى صورة قد أقبلت ، ومسحت على أعينهم فعموا . ثم إنّه لما فتح عن عينيه ، أمر قوما آخرين بقتل موسى ، فأتتهم نار أحرقتهم ، فازداد غيظه ، وقال لموسى : من أين لك هذه النواميس العظام ؟ أسحرة بلدي علّموك هذا ، أم تعلّمته بعد خروجك من عندنا ؟ فقال : هذا ناموس السّماء ، وليس من نواميس الأرض . قال فرعون : ومن صاحبه ؟ قال : صاحب البنية العليا . قال : بل تعلّمتها من بلدي . وأمر بجمع السّحرة والكهنة وأصحاب النواميس ، وقال : اعرضوا عليّ أرفع أعمالكم ، فإنّي أرى نواميس هذا السّاحر رفيعة جدّا . فعرضوا عليه أعمالهم ، فسرّه ذلك ، وأحضر موسى ، وقال له : لقد وقفت على سحرك ، وعندي من يفوق عليك . فواعدهم « يوم الزّينة » . وكان جماعة من البلد قد اتّبعوا موسى فقتلهم فرعون . ثم إنّه جمع بين موسى وبين سحرته ، وكانوا مائتي ألف

--> ( 1 ) يعني ما ذكرته الآيات أرقام 49 سورة البقرة و 141 سورة الأعراف و 6 سورة إبراهيم ؛ وكذلك التوراة ، سفر الخروج 2 / 23 - 25 . ( 2 ) يعني الآيات 9 - 22 سورة طه .